ابن كثير
259
البداية والنهاية
لنفسه وتسمى بالملك المجاهد ، فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة فدعا الخطيب أولا للمجاهد ثم للظاهر ثانيا وضربت السكة باسمهما معا ، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين كما سيأتي . وقد اتفق في هذا العام أمور عجيبة ، وهي أن أول هذه السنة كانت الشام للسلطان الناصر ابن العزيز ، ثم في النصف من صفر صارت لهولاكو ملك التتار ، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز ثم في أواخر [ ذي ] القعدة صارت للظاهر بيبرس ، وقد شركه في دمشق الملك المجاهد سنجر ، وكذلك كان القضاء في أولها بالشام لابن سنى الدولة صدر الدين ، ثم صار للكمال عمر التفليسي من جهة هولاكو ثم لابن الزكي ثم لنجم الدين بن سنى الدولة . وكذلك كان خطيب جامع دمشق عماد الدين بن الحرستاني من سنين متطاولة ، فعزل في شوال منها بالعماد الأسعردي ، وكان صينا قارئا مجيدا ، ثم أعيد العماد الحرستاني في أول ذي القعدة منها . فسبحان من بيده الأمور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وفيها توفي من الأعيان : قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس بن سنى الدولة أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسين ( 1 ) بن يحيى بن محمد بن علي يحيى بن صدقة بن الخياط ، قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس بن سنى الدولة التغلبي الدمشقي الشافعي ، وسني الدولة الحسين ( 1 ) بن يحيى المذكور كان قاضيا لبعض ملوك دمشق في حدود الخمسمائة ، وله أوقاف على ذريته . وابن الخياط الشاعر صاحب الديوان وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي هو عم سنى الدولة . ولد سنى الدولة سنة تسع وخمسين ( 2 ) وخمسمائة ، وسمع الخشوعي وابن طبرزد ، والكندي وغيرهم ، وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى ، وكان عارفا بالمذاهب مشكور السيرة ، ولكن أبو شامة ينال منه ويذمه فالله أعلم . وقد ولي الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث وأربعين واستمر إلى مدة السنة وسافر حين عزل بالكمال التفليسي هو والقاضي محيي الدين ابن الزكي ، وقد سافر هو وابن الزكي إلى هولاكو لما أخذ حلب فولى ابن الزكي القضاء ، واختار ابن سنى الدولة بعلبك فقدمها وهو متمرض فمات بها ودفن عند الشيخ عبد الله اليونيني ، وقد كان الملك الناصر يثني عليه كما كان الملك الأشرف يثني على والده شمس الدين . ولما استقر الملك الظاهر بيبرس ولى القضاء ولده نجم الدين بن سنى الدولة وهو الذي حدث زمن المشمش بطالة الدروس لأنه كان له بستان بأرض السهم ، فكان يشق عليه مفارقة المشمش ، والنزول إلى المدارس ، فبطل الناس هذه الأيام واتبعوه في ذلك ،
--> ( 1 ) في الوافي بالوفيات : 8 / 250 : الحسن . ( 2 ) ولد سنة تسعين ( الوافي ) .